صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

106

تفسير القرآن الكريم

الحيثية المذكورة ، وبحثهم عن معرفة أنواعها وعوارضها الذاتي بالبرهان المستفاد من العلة القريبة كالمادة والصورة في الإدراك التصديقي أو بالحد المستفاد من الجنس والفصل في الإدراك التصوري ، فيسمى علمهم علما طبيعيا ، وهم الحكماء الطبيعيون الذين يصلون إلى معرفة اللّه تعالى والاعتقاد بوجود ذاته وصفاته وأفعاله من طريق الحركة وعوارضها ، وبهذا الطريق سلك الخليل عليه السّلام على ما حكى اللّه عنه بقوله : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي الآية [ 6 / 76 ] . وإن كان نظرهم في حقائق الممكنات مطلقا ومباديها وغاياتها الثابتة الخارجة عن الحركة والزمان ، وموضوع علمهم الموجود المفارق عن المادة ولواحقها في الوجود والتعقل جميعا ، وبحثهم عن اثبات أنواعه وعوارضه بالبرهان الضروري الأزلي الدائم ، المستفاد من فاعل الوجود وغايته ، وبالحد المستفاد منهما أيضا ، إذ الصورة في المفارقات غير مفتقرة إلى علّة مقارنة ، بل انما يتقوم ذاته وماهيته مما يتقوم به وجوده ، لما تقرر هناك ان « لم هو » و « ما هو » في البسائط المفارقة شيء واحد ، فيكون معرفتهم هذه علما إليها وهم الحكماء الإلهيون ، لأن غاية معرفتهم وحكمتهم هو الوصول إلى الحق الأول ومجاوريه من الملكوت الأعلى . بل غاية هذين العلمين جميعا وثمرتهما معرفة الباري جلت أسمائه إلا أن في الأدون منهما حصلت بتوسط معرفة النفس التي هي مرقاة معرفة الرب ، كما في الحديث المشهور « 1 » وفي الأعلى من غير توسطها . وأما الطريقة التي هي فوق تينك الطريقتين ، فهي التوصّل إلى معرفة ذاته تعالى بذاته ، وذلك بأن ينظر أولا إلى نور الوجود المنتشر في أهوية ماهيات الممكنات المنبسط على سطوح هياكل الممكنات ، ثم يعرف من حقيقته المطلقة التي هي أجلى من كل متصور وأول كل تصور تقدمه على كل شيء له ماهية غير الوجود ، حتى

--> ( 1 ) من عرف نفسه فقد عرف ربه .